ابن أبي الحديد

323

شرح نهج البلاغة

وفي وصية النبي ( صلى الله عليه وآله ) أبا ذر رضي الله عنه : زر القبور تذكر بها الآخرة ولا تزرها ليلا ، وغسل الموتى يتحرك قلبك ، فإن الجسد الخاوي ( 1 ) عظة بليغة ، وصل على الموتى فإن ذلك يحزنك ، فإن الحزين في ظل الله . وجد على قبر مكتوبا : مقيم إلى أن يبعث الله خلقة * لقاؤك لا يرجى وأنت رقيب تزيد بلى في كل يوم وليلة * وتنسى كما تبلى وأنت حبيب وقال الحسن ( عليه السلام ) : مات صديق لنا صالح ، فدفناه ومددنا على القبر ثوبا ، فجاء صله بن أشيم ، فرفع طرف الثوب ونادى : يا فلان إن تنج منها تنج من ذي عظيمة * وإلا فإني لا إخالك ناجيا وفي الحديث المرفوع ، أنه ( عليه السلام ) كان إذا تبع الجنازة أكثر الصمات ( 2 ) ، ورئى عليه كآبة ظاهرة ، وأكثر حديث النفس . سمع أبو الدرداء رجلا يقول في جنازة : من هذا ؟ فقال أنت ، فإن كرهت فأنا . سمع الحسن ( عليه السلام ) امرأة تبكي خلف جنازة ، وتقول : يا أبتاه ، مثل يومك لم أره ! فقال : بل أبوك مثل يومه لم يره . وكان مكحول إذا رأى جنازة قال : اغد فإنا رائحون . وقال ابن شوذب : اطلعت امرأة صالحة في لحد فقالت لامرأة معها : هذا كندوج العمل - يعنى خزانته . وكانت تعطيها الشئ بعد الشئ تأمرها أن تتصدق به ، فتقول : اذهبي فضعي هذا في كندوج العمل .

--> ( 1 ) الخاوي : الخالي من الروح . ( 2 ) الصمات ، مصدر صمت .